أحمد بن محمد المقري التلمساني

310

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

أوفدنا عليكم كل ما زاد لدينا ، أو فتح اللّه تعالى به علينا ، ونحن مهما شد المخنق بكم نستنصر ، أو تراخى ففي ودكم نستبصر ، أو فتح اللّه تعالى فأبوابكم نهني ونبشر ، وقررنا عندكم أن العدوّ في هذه الأيام توقف عن بلاد المسلمين فلم نصل منه إليها سريّة ، ولا بطشت له يد جريّة « 1 » ، ولا افترعت من تلقائه ثنيّة ، ولا ندري ألمكيدة تدبر ، أم آراء تنقض بحول اللّه وتتبّر « 2 » ، أو لشاغل في الباطن لا يظهر ، وبعد ذلك وردت على بابنا من بعض كبارهم ، وزعماء أقطارهم ، مخاطبات يندبون فيها إلى جنوحها للسلم في سبيل النصح ، لأياد سلفت منّا لهم قررها ، ورسائل ذكرها ، فلم يخف عنا أنه أمر دبّر بليل ، وخبية تحت ذيل ، فظهر لنا أن نسبر الغور ، ونستفسر الأمر ، فوجهنا إليه ، على عادتنا مع سلفه لنعتبر ما لديه ، وننظر إلى بواطن أمره ، ونبحث عن زيد قومه وعمره ، فتأتي ذلك وجر مفاوضة في الصلح أعدنا لأجلها الرسالة ، واستشعرنا البسالة ، ووازنا الأحوال واختبرنا ، واعتززنا في الشروط ما قدرنا ، ونحن نرتقب ما يخلق اللّه تعالى من مهادنة تحصل بها الأفوات « 3 » المهيأة للانتساف ، وتسكن ما ساء البلاد المسلمة من هذا الإرجاف ، ونفرغ الوقت لمطاردة هذه الآمال العجاف « 4 » ، أو حرب يبلغ الاستبصار فيه غايته ، حتى يظهر اللّه تعالى في نصر الفئة القليلة آيته ، ولم نجعل سبب الاعتزاز فيما أردناه ، وشموخ الأنف فيما أصدرناه ، إلا ما أشعنا من عزمكم على نصرة الإسلام ، وارتقاب خفوق الأعلام ، والنهوض إلى دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأن الأرض حمية للّه تعالى قد اهتزت ، والنفرة « 5 » قد غلبت النفوس واستفزت ، واستظهرنا بكتبكم التي تضمنت ضرب المواعد ، وشمرت عن السواعد ، وأن الخيل قد أطلقت إلى الجهاد في سبيل اللّه الأعنّة ، والثنايا سدتها بروق الأسنّة « 6 » ، وفرض الجهاد قد قام به المؤمنون ، والأموال قد سمح بها المسلمون ، وهذه الأمور التي تمشت بقريبها أو بعيدها أحوال الإسلام ، والأماني المعدة لتزجية « 7 » الأيام ، ثم اتصل بنا الخبر الكارث « 8 » بما كان من حور العزائم المؤمنة بعد كورها « 9 » ،

--> ( 1 ) جرية : أصلها جريئة ، فقلب الهمزة ياء ثم أدغمها في الياء . ( 2 ) تتبر : تهلك . وفي القرآن الكريم وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً . ( 3 ) في ب « الأقوات » . ( 4 ) العجاف : جمع أعجف وعجفاء : والأعجف : الدقيق من الهزال . واستعملها هنا على سبيل الاستعارة . ( 5 ) في ه « والنعرة » . ( 6 ) الثنايا : جمع ثنية ، وهي الطريق في الجبل . وبروق الأسنة : أراد لمعانها الذي يشبه البرق . ( 7 ) تزجية الأيام : دفعها برفق . ( 8 ) الخبر الكارث : الذي يشتد له الحزن لشدته وقسوته . ( 9 ) الحور : النقصان . والكور : الزيادة .